محمد هادي معرفة

27

التمهيد في علوم القرآن

قوله تعالى « وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ . ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا » « 1 » فهي تنتهج وفق فطرتها ، وتستوحي من باطن غريزتها ، مذلّلة لما أودع فيها من غريزة العمل المنتظم ، ومن ثم فهي لا تحيد عن تلك السبيل . ومن ذلك أيضا قوله تعالى : « وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها » « 2 » أي قدّر . وقد استوحى العجاج هذا المعنى من القرآن في قوله : أوحى لها القرار فاستقرّت * وشدّها بالراسيات الثبت « 3 » 3 - إلهام نفسيّ ، وهو شعور في الباطن ، يحسّ به الإنسان إحساسا يخفى عليه مصدره أحيانا ، وأحيانا يلهم أنّه من اللّه . وقد يكون من غيره تعالى . وهذا المعنى هو المعروف عند الروحيّين بظاهرة التلباثي : « التخاطر من بعيد » وهو خطور باطني آني لا يعرف مصدره . قالوا : إنّها فكرة تنتقل من ذهن إنسان إلى آخر ، والمسافة بينهما شاسعة . أو القاء روحيّ ، من قبل أرواح عالية أو سافلة « 4 » وقيل : إنّها فكرة رحمانيّة توحيها الملائكة ، تنفثها في روع إنسان يريد اللّه هدايته ، أو وسوسة شيطانيّة تلقيها أبالسة الجنّ لغرض غوايته . * * * ومن الإلهام الرحماني قوله تعالى « وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ » . « 5 »

--> ( 1 ) النحل : 68 . ( 2 ) فصلت : 12 . ( 3 ) لسان العرب : ج 15 ص 380 . ( 4 ) راجع رؤوف عبيد ، مفصل الإنسان روح لا جسد : ج 1 ص 542 . ( 5 ) القصص : 7 .